فخر الدين الرازي

30

تفسير الرازي

غيبوبتها في أفق الغرب ، فالنازعات إشارة إلى طلوعها وغرقاً إشارة إلى غروبها أي تنزع ، ثم تغرق إغراقاً ، وهذا الوجه ذكره قوم من المفسرين . أما قوله : * ( والناشطات نشطاً ) * فقال صاحب " الكشاف " : معناه أنها تخرج من برج إلى برج من قولك : ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد . وأقول يرجع حاصل هذا الكلام إلى أن قوله : * ( والنازعات غرقاً ) * إشارة إلى حركتها اليومية * ( والناشطات نشطاً ) * إشارة إلى انتقالها من برج إلى برج وهو حركتها المخصوصة بها في أفلاكها الخاصة ، والعجب أن حركاتها اليومية قسرية ، وحركتها من برج إلى برج ليست قسرية ، بل ملائمة لذواتها ، فلا جرم عبر عن الأول بالنزع وعن الثاني بالنشط ، فتأمل أيها المسكين في هذه الأسرار . وأما قوله : * ( والسابحات سبحاً ) * فقال الحسن وأبو عبيدة رحمهما الله : هي النجوم تسبح في الفلك ، لأن مرورها في الجو كالسبح ، ولهذا قال : * ( كل في فلك يسبحون ) * ( الأنبياء : 33 ) . وأما قوله : * ( فالسابقات سبقاً ) * فقال الحسن وأبو عبيدة : وهي النجوم يسبق بعضها بعضاً في السير بسبب كون بعضها أسرع حركة من البعض ، أو بسبب رجوعها أو استقامتها . وأما قوله تعالى : * ( فالمدبرات أمراً ) * ففيه وجهان أحدهما : أن بسبب سيرها وحركتها يتميز بعض الأوقات عن بعض ، فتظهر أوقات العبادات على ما قال تعالى : * ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد ) * وقال : * ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) * ( البقرة : 189 ) وقال : * ( لتعلموا عدد السنين والحساب ) * ولأن بسبب حركة الشمس تختلف الفصول الأربعة ، ويخلف بسبب اختلافها أحوال الناس في المعاش ، فلا جرم أضيفت إليها هذه التدبيرات والثاني : أنه لما ثبت بالدليل أن كل جسم محدث ثبت أن الكواكب محدثة مفتقرة إلى موجد يوجدها ، وإلى صانع يخلقها ، ثم بعد هذا لو قدرنا أن صانعها أودع فيها قوى مؤثرة في أحوال هذا العالم ، فهذا يطعن في الدين البتة ، وإن لم نقل بثبوت هذه القوى أيضاً ، لكنا نقول : أن الله سبحانه وتعالى أجرى عادته بأن جعل كل واحد من أحوالها المخصوصة سبباً لحدوث حادث مخصوص في هذا العالم ، كما جعل الأكل سبباً للشبع ، والشرب سبباً للري ، ومماسة النار سبباً للاحتراق ، فالقول بهذا المذهب لا يضر الإسلام البتة بوجه من الوجوه ، والله أعلم بحقيقة الحال . الوجه الثالث : في تفسير هذه الكلمات الخمسة أنها هي الأرواح ، وذلك لأن نفس الميت تنزع ، يقال فلان في النزع ، وفلان ينزع إذا كان في سياق الموت ، والأنفس نازعات عند السياق ، ومعنى * ( غرقاً ) * أي نزعاً شديداً أبلغ ما يكون وأشد من إغراق النازع في القوس وكذلك تنشط لأن النشط معناه الخروج ، ثم الأرواح البشرية الخالية عن العلائق الجسمانية المشتاقة إلى الاتصال العلوي بعد خروجها من ظلمة الأجساد تذهب إلى عالم الملائكة ، ومنازل القدس على أسرع الوجوه في روح وريحان ، فعبر عن ذهابها على هذه الحالة بالسباحة ، ثم لا شك أن مراتب الأرواح